نار لن تنطفئ

مقطع من روايتي التي أتمنى أن أقدر على إنهائها كما يليق ببطلها، أنت يا صديقي، أنا، وكل حالم شاعر على هذا الكوكب.

لم تعجب شكوك خالد صديقَه، فالأخير كان دوغمائياً للغاية على عكس خالد الذي لم يكن يشوب سعيه إلى العلم في المسجد أي تعصب ديني، بل كان قائماً على حنين داخلي لم يستطع أن يفهمه قط. لقد شهدت هذا الحنين فيه طيلة الليالي التي تسامرنا فيها بعد تلك الأحداث بسنين. صديقي كان من طينة الشعراء الذين يسهرون آناء الليالي يتفكرون في الله والكون والإنسان، فيهيمون بحزن طيلة حياتهم أملاً في أن يجدوا أجوبة تشفي غليلهم دون أن ينجحوا في ذلك، ودون أن يجدوا في أي زمن بلسماً لأحزانهم غير ذلك الخيال الذي يأخذهم إلى عالم آخر فيسكرون ويتمايلون به على أنغام الحياة مهما كانت ظروفها. والشعراء يختلفون باختلاف مشاربهم وظروفهم، بالرغم من أنهم يملكون ذات الشاعرية وذات القريحة. منهم من هو محارب يتقن قيثارة الكفاح فيعزف عليها تأوهات جرحى الحياة ومستضعَفيها راسماً بذلك مسار الثورة على الظالمين. ومنهم من هو أضعف من ذلك فلا يتقن إلا درز القصائد على الورق دون أن يقوى على الكفاح في أدغال هذا العالم، بل يدرزها بصمت يليق بهول الحياة وهول مشهد نزيف الكوكب. ابتدأ خالد مشواره على منوال النوع الأول من الشعراء، دفعته قريحته إلى الكفاح، فحمل السلاح وقاتل وأصيب ونزف. لكنه بعد أن شهد الكثير من الدماء التي سفكت، وبعد أن شاهد بأم عينيه بشراً ينزفون حتى الموت دون ذنب، تقهقر إلى الصمت في نهاية مشوار أمضاه يصرخ ويكافح. هكذا عرفته في انقضاء فترة جاهليته، هادئاً جداً، صامتاً، متأملاً، وحزيناً. هو ذلك الحزن الذي تتفجر منه ينابيع السلام والحكمة فيروي صاحبه من رحيق التاريخ، ليطبق هذا الرحيق على ما بقي من كفاح في الأجساد النحيلة والعقول الشائخة. التاريخ عندما يلقي بثقله على الإنسان الشاعر يكون كالصليب الذي حمله المسيح، فيترنح الإنسان في سبيله نحو الأفق. لكن ألمه يكون سلاماً، فداءاً للبشرية ولو كان صامتاً، فالإله – الحق يتقن لغة الصمت، ويعشق المتأملين المتألمين بصمت، لا ساديةً منه بل لأن كل ثانية ألم تعادل قطرة من إكسير الخلاص، يمنحه الله للإنسان عندما ينعتق إلى الأبد.

أول حالة إصابة بفيروس الإيبولا

هذا العالم الذي تدّعونه متحضراً إنما هو أحقر من أن يكون كذلك.

جوعان... مواطن ضد الأنظمة المزورة

خضر سلامة

“إنه الإفلاس الروحي للرأسمالية التي تتحرك دون هامش أخلاقي أو اجتماعي”

هذه الجملة لم يقلها ماركس قبل مئتي عام، ولا غيفارا قبل خمسين عاماً.

هذه الجملة قالها الدكتور جون آشتون، رئيس كلية الصحة العامة في المملكة البريطانية المتحدة قبل شهر في مقال له في جريدة الاندبندنت معلقا على تجاهل العالم لفيروس إيبولا.

في وقت يستمتع فيه الجميع، لا سيما في بلادنا، بتقليد الأغنياء والممثلين والمطربين ولاعبي كرة القدم في تنافسهم على المشاركة في “ترند” حملة سطول الثلج الهادفة للتوعية من مرض نادر جداً لا يعرفه معظم المشاركين، غير فيروسي، لصالح جمعية بدأ الحديث عن شبهة فساد فيها، برعاية مشاهير يتبرعون بمئات آلاف الدولارات ليتم إعفائهم من ضرائب بملايين الدولارات..

في هذا الوقت، قُتل أكثر من ألف وخمسمئة أفريقي بفيروس الإيبولا في الأشهر الأخيرة، دون ضجة كبيرة، لم يهتم المشاهير به بعد، فإذاً لم يهتم الإعلام به، إذاً لم يهتم الناس الاستهلاكيون به، طالما أنه يضرب قارة منسية اسمها…

View original post 276 more words

الإعلام… أداة عدل أم سلاح ظلم

كما في كل النقاشات السابقة عما يحصل في سوريا، أتمنى توخي العقلانية والحكم بموضوعية على ما سيأتي نظراً للحساسية المفرطة التي خلقها الإعلام تجاه الأحداث السورية لا سيما الطائفية منها، وإلا فإن كنت يا عزيزي القارئ تعتقد أن رأيك في تلك الأحداث متحجر لأي طرف من الأطراف، فعليك أن تعرض عن هذا النص وهنيئاً لك رأيك. أما إن كنت تمتلك الفضول للنقاش وسبر أغوار القضية، فعندها أهلاً وسهلاً بك في هذا التحدي الذي يضعني كما يضعك في موقع مسؤولية كبرى.

محزنة هي حال الشعوب العربية والإسلامية، لا بل هي مأساوية وتراجيدية. ولعل الدور الأبرز الذي يساهم في تأزيم الوضع هو توظيف الإعلام خدمة للحرب لا للسلم. وأجزم أن تلك الحرب المروج لها لا تخدم مصلحة الشعب السوري ولا مصلحة الشعب العربي المترامي على أكثر من عشرين دولة. النتيجة الأبرز التي أود أن أصل إليها هي أن مصلحة السوريين والعرب هي حتماً في وقف القتال في سوريا بين النظام والمعارضة والإحتكام إلى الشعب. من المحتمل أن يصبو هذا الأخير إلى التحرر من نظام البعث، ولكن اليقين هو أنه يملك من الوعي الكافي الذي تراكم عبر الزمن ما يجعله مدركاً تماماً للمشروع البديل الذي خطط له أعداء القضايا العربية وروج له أبواقهم في الشرق الأوسط لا سيما الإعلامية منها (وما تصاعد الأصوات الحقيرة في مصر والداعية إلى مؤازرة إسرائيل في وجه غزة إلا أبرز مثال على هذه الأبواق). ومع هذا الإدراك لا بد إلا أن يأتي رفض الشعب السوري لهذا المشروع البديل.

إن الإحتقار والإستخفاف اللذين تحظى بهما نظرية المؤامرة هما مريبان بالفعل في ما يتعلق بالقضية السورية. لستُ أدعو في هذا المقام إلى جموح الخيال في نسج هذه النظرية، بل العكس وهو سبر أغوار الأحداث والإشارات للوصول إلى فهم الواقع الحالي كما هو، كي يعقل كل بشر حقيقة هذا الواقع فيتصرف وهو مرتاح الضمير. لستُ في وارد إطلاق الأحكام في هذا المقام على مجمل الأحداث التي حصلت، ولكن أشدد على ضرورة عدم التسرع في الإستنتاجات مهما بلغت بروباغندا وسائل الإعلام مبلغاً عظيماً، بل على ضرورة التحقيق في كل تلك الأحداث – وهو الأمر الذي أشرت إليه في تدوينة سابقة – لا سيما مع وجود دلائل تشير إلى وجود المخطط الغربي الخبيث (منها على سبيل المثال لا الحصر، ما كُشف عن تورط مراسلي سي أن أن في تفجير أنابيب النفط في حمص مع احتمال كونهم عناصر مخابرات أميركية، كما ما كُشف عن حادثة إطلاق جنديين بريطانيين النار على المدنيين في العراق وهما يلبسان ثياباً مدنية، وذلك طبعاً لإيقاع الفتنة بين السنة والشيعة عبر الإيحاء بأن أحدهما يستهدف الآخر). مع وجود تلك الدلائل فإن الريبة لا بد أن تنال من فكر كل مواطن في منطقة الشرق الأوسط عن مجمل الأحداث التي حصلت فيها، ومنها الأحداث في سوريا والكم الهائل من البروباغندا في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي.

لعل الحدث الأبرز الذي حظي بالكم الهائل من البروباغندا بغية استغلاله في لبنان من قبل فريق ضد آخر، هو مشاركة المقاومة اللبنانية في القتال في سوريا إلى جانب النظام السوري. يرى البعض أن هذا الحدث هو بدافع الوفاء للنظام السوري الذي لطالما دعم المقاومة اللبنانية لتحرير الجنوب اللبناني من الإحتلال الإسرائيلي، فضلاً عن تشكيل قوة ردع لهذا الإحتلال سيما في طريقة عمل المقاومة وحرفية تشكيلها العسكري وفعاليتها في التصدي للإجتياحات البرية. قد يكون ذلك صحيحاً، ولكن هناك العديد من الحيثيات الأخرى التي أود أن أذكرها، ليس دفاعاً عن هذه المقاومة بقدر ما هو رغبة في إنصافها في ظل كل التشويه الذي ينال من قيادتها والذي يملأ الفضاء الإعلامي والإفتراضي. أود أن أبدأ بسرد أمر اطلعت عليه وأحزنني كثيراً، لأنه يظهر التمادي الهائل الذي أصبح عليه التجييش الطائفي في المنطقة، علماً أن هذا الأمر حدث قبل بدء الأحداث في سوريا بسنين طويلة. لدى تصفحي لأحد المنتديات العربية لا سيما الخليجية منها، صدمت بطلبات من متصفحي الإنترنت لفيديو يظهر ذبح امرئ شيعي. كانت الصدمة عظيمة، سيما وأن الأحداث الدموية لم تكن قد بدأت في المنطقة باستثناء العراق جراء الغزو الأميركي. في الوقت الحالي، وفي ظل وجود الحركات التكفيرية في سوريا والتي هي جلية للعيان، وإن كنت بالمطلق أعارض استمرار الحرب في سوريا وتورط المزيد من الأطراف فيها لتكاد تصبح حرباً عالمية على الأرض السورية، إلا أنني أصبحت أتفهم خطر هذه الحركات التكفيرية على كل إنسان يحمل رؤى لمجتمعه تعارض رؤيتهم الظلامية. هذه الحركات لا تمتلك لا عقيدة إنسانية ولا عقلاً واعياً ولا حتى أدنى النضوج الفكري الذي يجب أن تتحلى به أية فرقة ثورية تروم العدالة وتقاوم الظلم. فماذا يتوقع المرء من مجموعة من البشر يتم تكفيرهم واستحلال دمائهم والتوعد بالقدوم إليهم بعد الإنتهاء من قلب النظام في سوريا؟ وهي شعاراتٌ رُفعت بالفعل من قبل تلك الحركات التي تعلن على الملأ أنها سوف تذبح كل من تسميه رافضياً في المنطقة، تقصد بذلك طبعاً الشيعة. ومن الحيثيات الأخرى ارتفاع التفجيرات الإرهابية في العراق من قبل هذه الحركات بنسبة تفوق 90% بعد سيطرتها على مدينة الرقة في شمال شرق سوريا، المكان الذي أصبحت تفخخ فيه سيارات الموت وتُرسل إلى العراق لقتل المدنيين العزل. فهل يتخيل أي امرئ ما كان سيكون عليه الحال في لبنان في حال سيطرت تلك الحركات على المناطق الحدودية مع لبنان؟ للإنصاف أقول، وبالرغم من أن الحرب في سوريا هي حدث مأساوي ومن أن الحل الوحيد لوقف القتال في المنطقة هو اتباع سبيل الحكمة والإبتعاد على عقيدة القتل الخبيثة التي يتم تلقينها للأجيال الصاعدة، عقيدة لا بد من وأدها قبل أن تنفلش أكثر بين الناس. وهذا السبيل يعني بكل بساطة الإحتكام إلى الشعب لتقرير مصيره، الأمر الذي لا بد أن يقود إلى نبذ الحركات التكفيرية وإلى بناء مجتمعات قادرة على تحقيق مصلحة كل فرد فيها بعيداً عن التكفير ونبذ الآخر، وبعيداً عن داء الطائفية القذرة التي أصبح معظم الأطراف مصاباً بها.

إلى ابن آدم

عزيزي الإنسان،

قد تكون في مقام المتسائل عن سر جنوح هذا الفرد الوحيد إلى اليأس. قد تتساءل أيضاً عن مدى إمكانية هذا الرجل الشاب في أن يتفوق على شيخوخة عقله وتدهور ذهنه. رسالتي إليك: توقف عن كل ذلك، وانظر إلى كل ما يحدث هذا العالم من كآبة مفرطة ومن ضياع بين القوة والحق. قد تكون أيها الإنسان ممن ألقيت عليهم بثقل صداقتي، سواء في المجتمع أو عبر الأثير. قد تكون أيضاً ممن جمعتني بهم الحياة من رحم الأنثى، فكنت من ذوي القربى. وقد تكون مجرد غريب حملت الأقدار صوتي وصورتي إليك. قد تحمل في قلبك العديد من المواقف والمشاعر تجاهي… من المودة والصداقة إلى السخط والعداوة، والمحبة أوالكره. لكن ذلك لن يغير شيئاً في مجرى الأمور. تصور يا عزيزي الإنسان ما قد أوصلتنا بشريتك إليه: جماعات متصارعة، ديانات مكفرة لبعضها البعض، حضارات متصادمة إلى درجة العنصرية وفوقية كل منها على الأخرى. وكل ذلك لا يبلغ في فداحته حد فداحة مشاهد قطع الرؤوس وأكل القلوب، عدا عن إبادة مدينتين عن بكرة أبيهما عبر قصف نووي وذلك على يد من قد نصبته وقاحة البشر رائداً من رواد الدفاع عن حقوق الإنسان، نعم يا عزيزي… رائداً من رواد الدفاع عن حقوقك.

ألا ترى أنك قد أصبحت عبئاً على الكون؟ ألا تعتقد أنك قد أفسدت توازن العالم بما فيه الكفاية عبر زيف تفوقك المشؤوم على الطبيعة؟ ومن ثم، أبصر جيداً صنعك في زمن ما بعد الحداثة: ديمقراطية ما كانت لتسمح بالإبادة النووية في حروبك السالفة… لو لم تكن زائفة، وإقتصاد ما كان ليقضم لقمة الفقير من فمه لو كان متوازناً، وقضاء ما كان ليحاكم المستضعف على ثورته ضد ظالمه فيصبح أداةً في يد القوي… لو كان عادلاً ومنصفاً، بل حتى الموسيقى أضحت أداةً صاخبة لتحقيق جموحك الجنسي عوضاً عن تغذية روحك.

أعلم جيداً أن حالك أيها الإنسان لم تكن أفضل في ما مضى. ولكن على الأقل كن منسجماً مع نفسك وتوقف عن إطلاق الألقاب على الأزمنة الماضية كلقب “العصور الظلامية”، لأن ما من ظلامية أكبر من ظلاميتك في زمن ما بعد الحداثة.

حال العرب

أليس الصبح بقريب؟ وأليس الحلم ممارسة مقدسة؟ فلماذا إذن تمعنون يا إخوتي في الشتائم، وأنتم تعلمون أن ما من شأنها إلا تقويض تلك الأنشودة التي تلازم طبيعة البشر؟ كلا، قدرنا ليس في الشتائم، وهو ليس في التقاتل أيضاً. قدرنا لا يصنع بأيد تقطع الرؤوس، ولا بألسنة تتقن فن التجديف. قدر البشرية يصنعه الأشقياء الذين أتقنت أيديهم رسم الجمال بريشة ألوانها زاهية، وأجادت ألسنتهم نظم الشعر في الغزل والحب.

في بلادي تكثر التناقضات. بلاد العرب أضحت مسرحاً تلعب فيه الأسود لعبة التاريخ، فتتنافس على ضرب بدن العروبة بسيوف مستلة مسمومة، وقد أضحى السم للعرب شراباً مألوفاً. أفلا تعلمون يا من كنتم أسطورة تتلوها الشعوب في ما سلف، أنكم أضحيتم أضحوكة تتغامز بها عنصرية البشر؟

كثيرة هي دورات الزمن على الشعوب، لكنني لم أعد أطيق انقلاب الزمن على بلادي. أن يسقط شعبي صريعاً في ساحة المعركة سقوط الأبطال المدافعين عن كراماتهم وعنفوان تاريخهم هو مدعاة للفخر، ولكن أن يشرب السم بطيبة خاطر من يد من تربص به في زمن ما بعد الحداثة فذاك طبعاً عار لن ينساه التاريخ.

كونوا أكيدين يا أيها الحمقى المزهوين بخططكم الغبية التي تحتفلون بنجاحها في بقعة من بقاع هذا العالم، أن التاريخ لا يكتبه المتآمرون ولا المتواطئون، وأن قدر الشعوب لا يصنعه عباد المال ولا متصنعي المجد. التاريخ تكتبه أيدي الأشقياء ومجانين الحب، والقدر تصنعه قريحة وحزن الشعراء.

عندما تتزلزل الأرض تحت أقدام البشر، وعندما يرتئي شعبي أن يئد الخوف في قعر الأرض، لن يبقى أثر لأبي جهل في هذه الأمة، بل سيظهر ألف محمد ومحمد، يشهرون سيوفهم في وجه جهلة هذا العصر وفي وجه كل طائفي حقير في هذه البلاد. عندها فقط سيعود الإسلام المحمدي إلى الظهور مجدداً أكثر صفاءاً، وأيضاً أكثر حزماً.

أكذوبة الديمقراطية في لبنان

السياسة هي فن جذب الجماهير بالنفاق والجماهير تعلم أن أصحاب السياسة ينافقون. لا أدري ما هي ردة الفعل المناسبة على أي سياسي يحاضر بالديمقراطية في لبنان، هل يجدر بالمرء أن يضحك على المهرج الذي يتكلم، أم أن يبكي على جمهوره الذي يصدقه ويصوت له. لا شك أن الديمقراطية في لبنان هي مجرد أكذوبة، وكلام السياسيين عنها هو تهريج سيئ الإخراج، وذلك لأسباب تكاد لا تحصى.

بعد نهاية الحرب الأهلية في لبنان، استلم أمراء الحرب زمام السلطة. بعضهم أقصي لاحقاً (ميشال عون وسمير جعجع)، والبعض الآخر رسخ إقطاعيته في مجتمعه الطائفي. وهؤلاء الأمراء عاثوا فساداً في الدولة اللبنانية بالتواطؤ مع كبار حيتان المال الذين اشتروا كل شيء: الوصي السوري، ضباط الجيش اللبناني، والسياسيين الصغار الذين أتوا من بيئات متناقضة كلياً مع منطق حيتان المال (كالفكر الشيوعي) ليصبحوا علناً عبيداً يشترون ويباعون بأرخص الأسعار وينصّبون نواباً ووزراء تبعاً لأهواء أصحاب الدولارات أو أمراء الحرب (ولكم في الياس عطالله و”رفاقه” عبرة يا أولي الألباب). المهم أن هؤلاء الإقطاعيين نهبوا كل شيء، خلّفوا ديوناً بلغت ستين مليار دولار، شرعوا الفساد لبعضهم البعض فانتشرت المقالع والكسارات في الجبال تبعاً للمصالح والأهواء، تعبّئ جيوبهم وتدمر طبيعة لبنان الخلابة دون أية دراسة مسبقة أو مراعاة للبيئة، وردموا البحر تنفيذاً لمصالح الرأسماليين الكبار وصادروا ممتلكات اللبنانيين في وسط بيروت دون تعويضات ذي أهمية تاركين إياهم على خط الفقر لتُشترى أصواتهم في الإنتخابات بتنكات الزيت الإعاشية ويرموا بعد ذلك يعيشون قهراً لا يرضى به ضمير أي إنسان سوي.

هذه هي القصة المضحكة المبكية التي يعرفها كل اللبنانيين ويرضون بها دون أن يرف لهم جفن ولو تم سلبهم لقمة عيشهم، والسبب وراء ذلك هو بكل بساطة هو تعبئتهم من قبل الإعلام اللبناني، الذي هو بمعظمه طبعاً إعلام أمراء الحرب وحيتان المال، هذا الإعلام الذي يحرض الفقير ضد الفقير عن طريق اللعب على وتر الطائفية والتخويف من الطرف الآخر.

ما استفزني حقاً هو التهريج السياسي الأخير المتعلق بانتخاب رئيس للجمهورية. التهريج الأول – أعتبره تهريجاً بغض النظر عن أسبابه الإستراتيجية – يفضح نفاق كل الشعارات التي تنادي بالإصلاح عند فريق 8 آذار، لا سيما أن الصيغة المطروحة تقضي بمهادنة الفريق الآخر المتهم بالفساد، عبر ثنائية عون – الحريري في الرئاستين. قد يقول البعض أن المهادنة ضرورية لتفادي الصدام بين الأحزاب اللبنانية، أقول إذا كان ذلك صحيحاً فليُعلن ذلك للشعب وليُحذف شعار الإصلاح ومحاربة الفساد ليحل مكانه شعار تقطيع المرحلة دون الدخول في حرب أهلية جديدة، وذلك للمصداقية فقط. التهريج الآخر هو ما قامت به قوى 14 آذار عندما صورت نفسها وصية على الدستور والمهل الدستورية وقدسية عملية انتخاب رئيس الجمهورية لتفادي الشغور. أود أن أذكر مهرجي 14 آذار بالحقائق التالية:

– إن المجلس النيابي الحالي هو مجلس ممدد له، وهو الذي مدد لنفسه، وبالتالي فهو لا يمتلك أي شرعية تمثيلية في الحقبة الراهنة للشعب اللبناني الذي قد يرتأي أن يغير رأيه في ممثليه في أية انتخابات مقبلة. وبالتالي فإن أي انتخاب لرئيس للجمهورية من قبل هذا المجلس هو غير شرعي.

– إن المجلس النيابي الحالي هو مجلس منتخب بقانون انتخاب غير تمثيلي على أكمل وجه وغير عصري، وهو القانون الأكثري، وقوى 14 آذار هي بالذات التي رفضت اختيار القانون النسبي مع الدائرة الإنتخابية الواحدة أو على الأقل الدوائر الإنتخابية الكبرى قبل أن يتم التمديد للمجلس، وهو القانون الأمثل الذي بإمكانه أن يمثل الشعب اللبناني، وذلك طبعاً لأن هذا القانون الأمثل سيفقد 14 آذار كثيراً من المقاعد النيابية وسيجلب بعدد لا بأس به من الأحزاب المستقلة عن الطرفين المتصارعين في لبنان. وبالتالي فإن 14 آذار هي المسؤول المباشر عن التمديد للمجلس النيابي الحالي، لتمسكها بقانون انتخابي مفصل على قياس مصالحها والذي بالطبع لا يمثل الشعب اللبناني أفضل تمثيل.

– إن مرشح 14 آذار الحالي سمير جعجع، هو من أبرز أمراء الحرب في لبنان، وهو مسؤول عن اغتيال رئيس وزراء سابق وابن رئيس جمهورية مع عائلته. قد يقول البعض أن أمراء الحرب الآخرين ارتكبوا بدورهم العديد من الجرائم في الحرب، ولهؤلاء أقول: الحل ليس بتكريس زعامة هؤلاء، لا سيما أنهم عاثوا في الدولة فساداً، بل في نبذهم جميعاً لا بل نفيهم من لبنان نظراً لعدم امكانية محاكمتهم. وبصياغة أخرى، لا يمكن أن يقبل أي عاقل أن تكون الدولة مرتعاً لأناس اختطفوا ونكلوا وعذبوا وقتلوا على الهوية، ولا أن تبنى على أياديهم البشعة، بل الحل لا يكون إلا باختيار رجال نظيفي السجل، أتقياء، ويبتغون مصلحة الشعب اللبناني وهم كثر (شربل نحاس إن كان مارونياً، زياد بارود …).

– إذا كان مهرجو 14 آذار جادين بشعار بناء الدولة، فليقبلوا أن تفتح كل الملفات التي هم معنيون بالدفاع عن أنفسهم فيها أمام الشعب اللبناني، ابتداءاً من الهدر المالي منذ اتفاق الطائف وحتى اليوم، وصولاً إلى الفساد في كل مؤسسات الدولة، والتحقيق في كيفية وصول الدين العام في لبنان إلى ما وصل عليه، وغيرها من الملفات التي تكاد لا تحصى، لا سيما الملفات التي تخصهم وحدهم وأبرزها تلفيق التهم في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري وفبركة شهود الزور في التحقيق في هذه القضية. وبالطبع يجدر أن يكون التحقيق حيادياً من قبل أشخاص مشهود لهم بالمصداقية، لا على يد القضاء اللبناني الذي يضم أسماء خرفة ك”أليس الشبطيني”، مبرئة العملاء.

وبالختام، “الرجّال مش اللي بنزل على الجلسة” “الغير شرعية”، بل الرجل هو الذي يكشف نفسه كلياً أمام الرأي العام، ما بان منها وما خفي، سواء من 14 آذار أو من 8 آذار، وعندما ينكشف ما خفي… عندها يكون بإمكان الشعب اللبناني أن يقرر بضمير مرتاح.

عاش لبنان دونكم إن شاء الله.

إخوة الروح

رب أخ لك لم تلده أمك. أتتني تلك الأخوة في ماض سحيق عبر نسيم من نسائم الربيع. قبلها كنت مقتنعاً تماماً أنني وحيد في مدينتي، حتى أيقنت أن الله قد بعث لي إخوةً يواسونني عبر الأثير. في خضم الأنين كانوا، وكنت أنت عميدهم. لا بأس يا صديقي إن حزنّا، فالحزن لغة لا يتقنها إلا الشعراء ولا يعشقها إلا الحالمون، شرط أن يكون فداء الإنسان، لا وليد ظروف قحط النشوة.

دعك من الشكوك والظنون، وانظر معي إلى ذاك الأفق الذي يرتسم في لوحة الحياة. قد لا تكون حقيقتي واضحة، وقد تبدو ظاهرياً مدعاة للحزن واليأس. وقد لا أكون أيضاً ممن يحق لهم إطلاق الوعود، نظراً لأنني نكثت بالكثير من الوعود التي أطلقتها لله، وأنت تعلم مكانته في حياتي، فكيف لي أن أحفظ وعوداً أطلقها على من هم دونه. ولكن على الأقل أبصر جيداً ذاك الزلزال الذي سوف يهتز تحت أوتاد البراكين مدمراً إياها لحين من الزمن. قد يكون زمننا الحالي هو زمن براكين الفتنة بامتياز، ولكن المستقبل سيحمل إلينا حتماً ما يخمدها طويلاً، لا سيما عندما يثبت القدر مقولاتي التي أطلقتها في فضاء هذا الكوكب البائس.

في يوم ما سيتوقف الزمن عن الجري أمام حضارات البشر، وذلك اليوم سوف يكون أسطورياً. سينكفئ بوسايدن في أعماق المحيطات، وسينطفئ هايدس رغم نار العالم السفلي. عندها فقط سنتمكن من النوم قريري العين، لأن القدر يقول كلمته والكون سيطلق صرخته، فتجتمع فصيلتنا ولو لمرة واحدة أمام استحقاق الحياة الأعظم: كيف نحقق وحدتنا؟