جميلة أنتِ

جميلة هي الثورة عندما تكون صافية… كبلورة تلمع بنور عينيكِ، أو كقلب قانت آناء الليالي، أو كماء عين تتفجر بعيداً عن عبث البشر
جميلة هي القرية عندما ترقص على وقع خطواتك، كأنها موسيقى من زمن جميل مضى… توحي بالأصالة وتؤنس الذات كما لا تفعل أي قصيدة
جميلة هي الصلاة عندما تحمل الخشوع إلى رب الكون، والعين تدمع خشية فراق الحبيب… الإله الجميل الذي رسم دربي، وأنتِ، حواء التي مضى بي الدرب إليها بشوق مطلق، يهمس في أذني عند كل مفترق… أن أبشر إن وعد الله حق
جميلة هي الكلمة عندما تخرج من ثغرك… كقصيدة خجولة تترنم على استحياء، خوفاً من أن يخطفها ضجيج البشر الذاهبين إلى ميادينهم، أو أن تسرقها أفكار كالموج الهائج في عقل مجنون، أتقن حبك كما لم يفعل قيس من قبل
جميلة أنتِ عندما تلبسين الثورة… من ورق الجنة، أو من حرير تنسجه أيادي العشق، بصبر فائق وأناة لا تنتهي

الثقافة القاتلة: ثقافة احتكار الحقيقة

لعل أبرز عوامل الصراعات الدياناتية عبر التاريخ هو تلك الثقافة القاتلة التي يتسلح بها المنتمون إلى الديانات، ثقافة ادعاء كل ديانة لأحقيتها واحتكارها للحقيقة الكونية والإدراك الأمثل للطبيعة الإلهية. ما أود أن أتكلم عنه في هذا السياق، هو نظرة الدين السوي لهذه الثقافة كما أستنتجها من آيات الرسالة الإلهية الأخيرة، الرسالة القرآنية.

حسناً… ما يدفعني إلى هذه الغاية هو خطاب يدأب بعض الفئات الإسلامية على المواظبة عليه، وهو الخطاب واللغة التكفيريين. فماذا يقول كتاب الله في هذا الصدد؟

تختصر آيات معدودة من سورة البقرة الوضع بأسره.
وَقَالُواْ لَن يَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَـٰرَىٰ‌ۗ تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡ‌ۗ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَـٰنَڪُمۡ إِن ڪُنتُمۡ صَـٰدِقِينَ (١١١) بَلَىٰ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُ ۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٌ۬ فَلَهُ ۥۤ أَجۡرُهُ ۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ (١١٢) وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ لَيۡسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىۡءٍ۬ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَيۡسَتِ ٱلۡيَهُودُ عَلَىٰ شَىۡءٍ۬ وَهُمۡ يَتۡلُونَ ٱلۡكِتَـٰبَ‌ۗ كَذَٲلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ مِثۡلَ قَوۡلِهِمۡ‌ۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ (١١٣)

المبكي في الأمر أن الإقصاء والتكفير الذي تكلمت عنه، إنما يصدر عن فرق تدعي أن حكمها وسلطتها سواء الدينية أو السياسية التي لا تنبع من الشعب، إنما تنبع من الإرادة الإلهية التي يلخصها القرآن. فماذا يقول كتاب الله في الآيات أعلاه؟
قال اليهود، كما النصارى، كما المسلمون بفرقهم المتعددة حالياً أن لن يدخل الجنة إلا من كان ينتمي إليهم. ولعل لسان حال الله في هذا الزمن يقول: قالت السنة ليست الشيعة على شيء، وقالت الشيعة ليست السنة على شيء، وهم يتلون القرآن…. بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

قد يقول البعض أن القرآن بنفسه بما أنه هو الرسالة الأخيرة، بالتالي كان مدعاة لخاتم النبيين كي يدعي احتكاره للحقيقة. تقول الآية الموجهة إلى الرسول العربي: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وتقول آية أخرى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
إن الهدف الأسمى للرسالة المحمدية كان تعريف قبائل العرب على إدراك أعقل للطبيعة الإلهية، فالله جل جلاله أرقى من أن يلخص في وثن أو إنسان أو حتى مفهوم ثقافي. اسم الجلالة هو رمز للغموض الإلهي الذي لا يمكن أن يعقله عقل أو تحيط به لغة، أو يغطيه كاملاً أي كتاب وجد عبر التاريخ. إن الرسالة التي أتى بها خاتم النبيين لم يكن الهدف منها المزايدة على فرق أخرى بقدر ما كان تصحيح مسار البشر في فهم الطبيعة الإلهية، أو على الأقل تهيئة المناخ للدخول في رحلة طويلة للبحث عن هذه الطبيعة انطلاقاً من الفطرة البشرية، ووصولاً إلى العلم الكوني الذي أضحينا ننهم من رياضه في الحقبة الحالية أكثر من أي وقت مضى.

بالعودة إلى ما ورد أعلاه، فإن الأمر الإلهي لأي رسول، والرسالات التي أتت عبر التاريخ، لم يكن الهدف منها تقديم حقائق كونية علمية، بقدر ما كان الهدف منها وضع أطر لضبط وتنظيم المجتمع البشري. وإلا فإن هناك الآلاف من هذه الحقائق تكتشف كل حقبة من التاريخ، والتي لم يقدم لها القرآن أو أي رسالة إلهية سابقة. والسؤال الأهم: ما هو إطار الخلاص والإيمان كما ورد في القرآن؟ أن يسلم المرء وجهه كلياً، ويتمثل بالنبي عليه الصلاة والسلام، فيخفض جناحه لنظرائه من البشر ويتخلى عن الفظاظة والتحدي، واحترام حق الآخر في حرية المعتقد.

ومن هنا، إلى أين المطاف؟ ما هي الوجهة الأفضل لأي مسلم يؤمن بكل ما أتى أعلاه؟ الوجهة الأفضل إنما هي في التواضع قليلاً، والتخلي عن العناد والذهاب إلى حوار الآخرين، والتخلص من ثقافة التكفير. ومن يرفض ذلك إنما هو أصل خراب هذا الكوكب.

ما هو وراء ظواهر الأمور… بين الغرب والشرق والحرب السورية

سألت  مذيعة أسترالية ضيفها المسلم عما إذا كان يدين أعمال داعش الوحشية، لكن رد الأخير الذي أراد أن يستفيض في تاريخ الغرب الإستعماري لم يتضمن أية إجابة واضحة على هذا السؤال، ولا إدانة مباشرة لأعمال داعش. كذلك رفض الضيف أن يجيب على سؤال عما إذا كان يؤيد ذهاب الأستراليين للقتال إلى جانب داعش في سوريا، كما لو أن هذا التهرب يحمل تأييداً مبطناً لهذا الأمر.

قد تمر هذه الحادثة على أي مشاهد مرور الكرام، لكن هذا الأسلوب الممنهج من المقابلات إنما يحمل حتماً برأيي أوجهاً كثيرة من الأهداف. تذكرت في هذا المقام مقابلة أخرى قامت بها قناة السي أن أن الأميركية مع امرأة أفغانية كان زوجها “المسلم” الطالباني قد جدع أنفها، منذ بضع سنين. لكي نفهم جيداً أبعاد هذه المقابلات، أعود بالزمن إلى الوراء ببضع سنين، عندما كنت أتصفح الإنترنت، فدهشت بالكم الهائل من المواقع الألكترونية الأميركية التي تتحدث عن المعركة الأخيرة “آرماغدون” ونهاية العالم “آبوكاليبس”. اليقين هو أن أي قارئ لهذا المقال سيذهب بسرعة إلى التفكير بغباء الإعتقاد بالمؤامرات العالمية والجموح في نسج النظريات عن هذه المؤامرات بسذاجة. ولا يسعني إلا أن أقر بوجود هذه السذاجة عند الكثير من متصفحي الأنترنت، ولكن لا بد من أن أشير إلى ما كتبته على مواقع التواصل الإجتماعي في الماضي: “ما أقر به تماماً هو ضرورة أن يكون هناك تحقيقات جدية للوصول إلى الحقيقة، وتفادي هذين النقيضين: الجموح في نسج نظريات المؤامرة، والتقليل من شأن الباحثين عن الحقيقة عبر وصمهم بالترويج المفرط لنظريات المؤامرة”.

الهدف الذي أعنيه من وراء هذا النمط من المقابلات أعرضه مسبقاً، وكنت قد كتبت عنه أيضاً على مواقع التواصل الإجتماعي: “هكذا يسير الأمر بالنسبة إليهم… حصول الأحداث، ثم إستغلالها من قبل وسائل الإعلام، ثم تنميط شعوب بأكملها بناءاً على هذه الأحداث المستغلة، وأخيراً تبرير المجازر بحق هذه الشعوب”. إن شيطنة الإسلام والمسلمين جلية في تلك المقابلات. والمثير للإهتمام أن المعركة الأخيرة التي تحدثت عنها بعض المواقع الألكترونية، والتي ينتشي بعد الرواد بذكرها مرفوقة بنبوءات توراتية عن نهاية العالم، إنما تحصل بين المملكة اليهودية وأعدائها. وبعد تأويل النبوءات التوراتية، يصل من يروج لهذه المعركة إلى أن أعداء المملكة اليهودية هم المسلمون عامةً.

إن نخبة السلطة في الغرب لا سيما في الولايات المتحدة الاميركية هم من الغباء بشكل أن الأفراد الذين يشكلون واجهتها كما يفعل رؤساؤها، إنما يؤمنون بشكل مطلق بهذه النظريات. وإن لم يكن بعض هؤلاء الأفراد سذجاً، فإنهم على الأقل يعلمون بالخطط الموضوعة من قبل تلك النخبة، ولا يحركون ساكناً للكشف عنها. لعل أبرز أولئك السذج هو جورج دبليو بوش، الذي قال بوضوح صارخ أن غزو العراق إنما هو حرب صليبية بنظره. وإن كانت هذه مجرد زلة لسان، إلا أنها تكشف بوضوح عن طريقة تفكير هؤلاء الأغبياء، وعن سعيهم لتطبيق النبوءات التوراتية.

إن أخطر ما في تأويلات هذه النبوءات التي كانت تملأ الأنترنت منذ بضع سنين (ولا أدري إن كانت ما تزال بذات الزخم)، هو أن روادها يعتقدون بأن المعركة الأخيرة ستكون نووية، أي أن مملكة إسرائيل وحلفاءها سوف يبيدون أعداءهم بالكامل عبر حرب نووية. ومن هنا يأتي توظيف ذلك الكم الهائل الممنهج من المقابلات الذي تكلمت عنه: لا يمكن أن تحدث أي حرب نووية يقودها الغرب إلا إن تم حقن الشعوب الغربية بذلك الكم الهائل من الحقد تجاه المسلمين، وشيطنة هؤلاء إلى أقصى درجة، عبر الإيحاء بأن أصل المشكلة إنما هو الإسلام بحد ذاته، وأن المسلمين إنما هم وحوش لا يمكن مهادنتهم.

أبرز ما يدفعني للإعتقاد بأن كل ذلك ليس مجرد نظرية مؤامرة، هي الأحداث التي تسارعت في السنوات الخمس الأخيرة، وكل الإشارات التي تبرز المنهج الغربي الذي يعمل وراء الستارة. لم يعد يخفى على أحد كل تلك العبارات المستعملة لتلخيص هذا المنهج، والتي وردت في سياقات مختلفة، سواء في كتب وضعها أفراد كانوا جزءاً من تطبيق هذا المنهج مهما علا أو قل شأنهم، أو في مقابلات أجريت مع بعض هؤلاء الأفراد الذي اختاروا التمرد على هذا المنهج الخبيث، وهذه المقابلات طبعاً يتم التعتيم عليها، ووصم المشاركين فيها بجموح نظريات المؤامرة كما قلت سابقاً. من هذه العبارات مشروع الشرق الأوسط الجديد (الذي يبدو جلياً أن هدفه هو تفتيت المنطقة، وجعل يد داعش هي العليا لاستكمال شيطنة الشعوب الإسلامية عبر جعل داعش هي الحاكمة لتلك الشعوب)، والفوضى الخلاقة، والنظام العالمي الجديد.

حسناً، قد يتساءل البعض لا سيما من الشعوب الغربية عن كيفية التأكد من هذا الأمر. الجواب هو بكل بساطة عدم الإنجرار بانفعال وسذاجة خلف وسائل الإعلام. والأمر الأهم أيضاً هو اتباع منهج الشك للوصول إلى اليقين والإستقصاء الدقيق الذي يمكننا من الوصول إلى الحقيقة. على سبيل المثال، لا بد من استقصاء طبيعة الإسلام بموضوعية، ومقارنتها مع ما تقوم به داعش. والسؤال الأبسط مثلاً هو: هل ما تقوم به داعش يتطابق مع تعليمات رسول الإسلام للمسلمين عند حدوث الحرب عن كيفية خوضها؟

ما أجزم به، أنا المسلم المحيط بديني والقارئ لكتابه والعاشق لرسوله، وما لا يمكن أن يطعن به أحد، هو أن من فتكت به داعش إنما هي الشعوب الإسلامية أكثر من أي شعب آخر. وما يبدو واضحاً وجلياً هو أن من مهد لظهور داعش إنما هم من حلفاء الغرب، سواء النظام السعودي عبر توفير الأرضية الخصبة للفكر التكفيري، أو قطر التي كانت تروج دائماً للقاعدة  عبر قناة الجزيرة وما تزال تروج حالياً لفرعها في سوريا جبهة النصرة. وفي كل ذلك، تبدو الشعوب هي الضحية، لأنها تقع ضحية التضليل: الشعوب الإسلامية تقع ضحية الشحن الطائفي والتضليل الديني لتبرير سياسات باطلة ليست من الحق بشيء، والشعوب الغربية تقع ضحية التضليل الإعلامي والإسلاموفوبيا.

وفي النهاية أعرض الأسئلة التالية كمحفز للاستقصاء العلمي للوصول الى الحقيقة، بعيداً عن خبث النخب الحاكمة في الشرق والغرب:

– في ما يتعلق بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، لماذا بقيت بعض الأسئلة دون أجوبة في التحقيق، وتم تجاهلها لاحقاً، كالتحقيق في مصدر تمويل من تفذوا الهجوم؟ لماذ تخلصت الإدارة الأميركية كما تزعم من جثة أسامة بن لادن في البحر دون إبراز أي دليل أو صورة تثبت مقتله؟

– هل يصدق حكام الغرب عندما يرفعون شعار نشر الديمقراطية، وهل شنت الحرب في العراق لهذا السبب؟ ولماذا يعتم الإعلام الغربي على ديكتاتورية بعض الأنظمة العربية، ولا سيما على ما يحدث في البحرين من ظلم مطلق للشعب على يد انظمة الحكم الديكتاتورية، مع العلم أن الشعب البحريني أرسى مشهداً قل نظيره من النضال السلمي الراقي بالرغم من كل غطرسات الأنظمة التي تقمعه؟

– ألا تشكل حادثة تورط مراسلي السي أن أن في تفجير أنابيب النفط في حمص، عاملاً يمكن الإنطلاق منه للتحقيق الحقيقي والشفاف في كل الأحداث التي حصلت في سوريا؟

وفي النهاية، أود أن أستبق كل من قد يعمد إلى الإشارة إلى النظام السوري، كأنه يجردني من موضوعيتي لأنني لم أذكره في هذا المقام ولم أدن غطرسته، لأقول: بلى هو نظام ديكتاتوري مستبد ظالم لشعبه على مدى عقود، وهذا الظلم مدانٌ تماماً. ولكن كل تلك الشيطنة المبرمجة لهذا النظام والتي تجعل الأنظمة الأخرى تبدو وكأنها أقل استبداداً وظلماَ للشعب العربي، لن تجعلني أحيد ولو للحظة واحدة عن فكرة جوهرية جداّ ومهمة: مهما بلغت وسائل الإعلام مرحلة متقدمة من غسيل الأدمغة والحقن المذهبي ونشر الفتن بين الناس، يبقى هناك معيار واحد للعدل والعلم والحكمة، وهو الاستقصاء العلمي للوصول إلى اليقين. ومتى حدث هذا الإستقصاء بعيداً عن خبث الأنظمة والحكام، لظهرت خبايا كثيرة ومذهلة عن وصول الخبث في هذا الزمن مرحلة متقدمة جدا. وإلى ذلك الحين، لا يسعني إلا القول أن لا حول ولا قوة إلا بالله.

كل عام وأنت حبيبتي

يحكى منذ القدم عن عاشق مجنون ومعشوقة حزينة، كانا محط قريحة الشعراء، وأهل الشعر مع العشق متلازمون. ولعل أبرز ألوان العشق، متى كان العاشق شاعراً. ولكنني في هذا المقام أنبذ الشعر لأنني على يقين أن ما من قصيدة خليقة بأن تصف وله عشقي وحزن معشوقتي. أتسلح بسلاح النثر، آملاً أن تنطبع الصورة مشعة أمام الكون بأسره.

يحكى منذ القدم عن وردة حمراء شهية للناظرين. تتوالى الذئاب على نهش أوراقها بخسة، لكنها تأبى أبداً إلا أن تنبت من جديد. هي وردة مقاومة، ثابتة في الأرض، بهية بجمالها، أنيقة برقتها. هي المعشوقة في كل زمان ومكان، المشتهاة في كل أوان. إنها الأنثى.

وفي هذا المحيط الذكوري الظالم، عاشق مجنون، امتهن مهنة البحث عن الجمال، متسلحاً بمثالية قل نظيرها. مشواره ذو الألف الميل ابتدأ منذ نشوء الكون. هو إنسان فان، ليس بالطبع دهرياً، لكنه بكل بساطة عاشق، والعشق لا يفنى، والعشق عمره من عمر الدهر، عندما ابتدأ الإله خلق الكون، ومن ثم عندما شاء أن يبث الحياة فيه. الإله جميل والحياة عشق، وفي سبيل ذلك الجمال وهذا العشق، أطلق العاشق المجنون وعداً وصرخة، ألا يشط عن السبيل أبداً.

أنت يا حبيبتي تلك الوردة، وأنا ذلك العاشق. أنا العاشق الذي أعرض عن كل الورود الحمراء، لخوفه من أن تطاله لعنة البطريركية التي تعصف بالبشر. أنا العاشق الذي لطالما تردد عن قطف الورود الحمراء، لشفقته من رقة الندى على أوراقها في كل صباح. انا العاشق الذي لطالما اشتهى من دون أن يروم الشهوة، لحزنه على مشهد تسلل نور الشمس من كوة الغرفة، بعد كل جماع، عندما تكون الوردة على يقين أن اليد التي اقتطفتها سترميها على جانب الطريق، دون أي إحساس بالذنب أو الندم.

أنا ذلك العاشق الذي أمضى كل حياته باحثاً عن لحظة واحدة، يضم بها معشوقته إلى صدره، وفي كل مناسبة كان القدر يأبى له ذلك. وفي لحظة حاسمة، التقيت بك. جلست على ضفاف عينيك الغزيرتين، متحيناً فرصة استنشاق عطرك الغامر. وما زلت أشفق من أن أقطفك على مثال غيري من الرجال. قدر الوردة الحمراء هو الموت على بعض الأيادي، والنبات من جديد. لكن يدي تأبى إلا أن تنغرس في الأرض سنديانةً عظيمة، لتقيك قيظ شمس المجهول.

هكذا هو حبي لك. لستُ حتماً أميراً من أمراء البلاط، ولستُ فارساً من الفرسان. قلتُ ذلك من قبل كثيراً. قد لا أكون راقصاً ماهراً، كما قد لا أكون محدثاً بارعاً. ولكنني أشفق من كل لحظة حزن قد أسببها لك. أحزن لحزنك، وقد أبكي لبكائك. ولكنني أملك أمنيةً عظيمة، وهدفاً جليلاً… أن أسعدك دوماً وأبداً… أن نصل إلى يوم تشعرين فيه بالطمأنينة في ظلالي، أن تنتهي أيام الحزن إلى الأبد، دائماً في كنفي.

هكذا هو حبي لك، صافٍ ومثالي، صادق ومتسامي. وأمنيتي القصوى أن تبقي حبيبتي، تشدين أزري، وتكونين أماً لأولادنا في المستقبل. وإن شاء الله لهذه الأمنية أن تتحقق، أكون أسعد رجل في الدنيا.

كل يوم وأنت حبيبتي.

كل أرض كربلاء

وقف هناك في عرض الصحراء. أحس بشعور غريب يلف أركانه. اقترب الميعاد. يقال هذه كربلاء… كربٌ وبلاء. اقترب ميعاد الرحيل الأسطوري. أغبياء هم هؤلاء الشاحذين لأسلحتهم، يظنون أنهم منتصرون لكثرة عددهم. هم لا يعلمون أن هذا الرجل الواقف قبالتهم أبيّ على الهزيمة. لا هزيمة لهكذا رجال… لا هزيمة لمن يرفع شعار هيهات منا الذلة. فهؤلاء لا يمحى ذكرهم. قالتها الحوراء… مهما كاد الزمن ومهما تعالت صيحات الظلم الماجنة، لن يمحى ذكرهم. أغبياء هم الطواغيت، أصحاب السلطان على الجهلة وضعاف النفوس. يظنون أن سلطانهم سيطال الأحرار، ويظنون أنه سيمتد طوال الزمن، ولكن هيهات.

في كربلاء، كان سيفقد كل شيء، ما عدا عزّة نفسه. لسان حاله: اللهم تقبل منا هذا القربان. صعب هو هذا الإباء، صعب على الجهلة أن يفهموه. يقولون رمى بنفسه إلى التهلكة. لكنه يعلم أن الأمر أكبر من ذلك. يعلم الحسين أنه إن أعطى إعطاء الذليل، لن يبقى من الحق شيء. اشترى بقربانه الدنيا والآخرة في آن. ففي الدنيا سيضحي أسطورة تضرب بها الأمثال، وتلهم كل حر سائر على درب العزة وآبِ للخضوع والخنوع. وفي الآخرة، فهو سيد شباب أهل الجنة.

عندما برز الحسين إلى المعركة ولم يبق أحد غيره من الرجال، كان أهلاً لكل السهام التي تلقاها. كأني به يأسف لأمر هؤلاء القوم. كأني به يتلقى السهام بصدره وهو ابن بنت نبيهم والنبي منهم براء. كأني به يئن أنين المسيح الحامل لصليبه على درب الجلجلة. هؤلاء قتلوا إمامهم، وأولئك قتلوا مسيحهم. فعلياً انتهت الخلافة في استشهاد أبيه. انتهى الإسلام المحمدي في سقوط علي بن أبي طالب وهو يصلي. لم ينتظر المسلمون طويلاً بعد رحيل نبيهم، لينقلبوا على كل تعاليمه. فبعد رحيل من آخى الرسول به نفسه، حل التوريث محل الشورى. وبعد أن كانت الوصية ألا تقطعوا شجرة ولا تهتكوا عرضاً في نشر الدين، كانت ممارسات المسلمين التاريخية سبي وهتك أعراض. والمثال الصارخ على ذلك هو قتل الحسين.

“تاريخ المسلمين خالٍ من الإسلام المحمدي”. قالها أحد المفكرين. لو لم يكن كذلك لما اندثرت الخلافة ولما أصبحنا اليوم نرى السبي وهتك الأعراض يمارسان في زمن يتبجح فيه الإنسان المعاصر بكونه زمن حقوق الإنسان. هذا الشعار هراء، لا سيما في الغرب حيث نرى له موطئاً عند الشعوب. من أبرز معالم ذلك هي الحرب الناعمة، أو الفوضى الخلاقة، أو النظام العالمي الجديد… سموها ما شئتم. في زمن نفاق وخبث نخب السلطة في الغرب، وجهل وبطش أهل الفتن في الشرق، يحضرني ذلك الرجل الإمام السامي… يحضرني الحسين ولسان حاله: “هيهات منا الذلة”.

هيهات منا الذلة.

أسرار الهرب

يتساءل المتسائلون: ما بال هذا الإنسان يمعن في الهرب من كل شيء… من أملٍ شاء له القدر أن يكبر وهو يرزح تحت أثر الزمن؟ ما بالي وأنا المرتهن للرسالة، أهرول بعيداً عن طرق سعاة البريد، مؤثراً الضياع في أدغال الأوطان على السير بخطىً ثابتة إلى حيث يتفجر ينبوع الخير وتسمو أسماء الحالمين؟ يتساءل متسائلون… ما هو سري ولماذا هي غرابتي؟ ماذا أخفي وإلى متى؟

أمعن في الهرب دائماً لأنني أدمنت على الهرب. أدمنت على هجران الأمل، وقاومت كلما حاول الإله أن يثنيني عن ذلك. رسالتي ما فتئت تتوهج طوال الزمن، والبشر يظنون أنها مقدسة لأنها ماورائية أو غيبية، والحق أنها أبسط من ذلك بكثير. ليست ديانة محشوة بالعادات، ولا أيديولوجيا مفعمة بالدوغمائية، ولا بنياناً لمؤسسة تحكم بإسم الإله فتطغى وتستبد. إنها بصيص نور تتلقفه القلوب متى شاء القدر ذلك. هي لقمة كل جائع، وبلسم كل جريح، وقطرة ماء تروي ظمأ التاريخ كلما حاولت المسوخ أن تسيّره نحو أفق مظلم. هي رسالة كل روح، تتوسل إلى الإله أن ينعم عليها بشيء من الرحمة، كي تتفوق على آثار الهمجية التي تبثها الأباليس في عقول البشر وغرائز الأنعام.

أنصتوا جيداً إلى ذلك السكون القابع في أعماق النفس تدركوا جيداً أن السر الوحيد الذي يمتلكه هذا الفرد إنما هو شمس ساطعة في قلب كل بشري على هذا الكوكب. أنا أنت أيها الإنسان، وأنت تكون أنا متى تفوقت على نفسك، وأطلقت العنان لجهادها ومقاومتها لأباليس الكون. قد لا تفهم تلك الأباليس جيداً، وقد يأتي وقت في المستقبل تصل فيه إلى فهمها، ولكن الآن اكتفِ بالجهاد. عندما تفعل ذلك، تعي قدسية الرسالة وعظمة توهجها، فتحقق أسطورتك التي لا تمحوها قوة في هذا الكون، لأن هذه الأسطورة تخطها يد الله في كتاب أمّ، لا سطوة للأباليس عليه.

شذرات من أقدار الحالمين

لن ننعم براحة البال أيها الحالم المتربع على عرش الحزن. قد حكم علينا أن تنزف أرواحنا حتى فناء الزمن، فإما أن يسود النور إلى الأبد عندما يتوج الزمن بانقضاء جريه أمام عذابات الأرواح المتراكمة، وإما أن يخفت آخر بصيص نور في هذا الكون الكئيب. لن ننعم أبداً براحة البال، فذلك لا يليق بالسنابل اليافعة، بل التلوي أمام حملات الرياح هو سنتها الباقية ما بقيت الشموس والكواكب. لا يوجد في قواميس أحلام اليقظة أي شيء من ترف إنسان ما بعد الحداثة، بل جلها مفردات لا يعقلها غباء هذا الإنسان بمعظمه. في تلك القواميس لا مكان للمجون والإنتشاء الزائف بمخدرات العصر المتعددة، بل إنتشاء العقول بالأفكار الثائرة على القديم والجديد على حد سواء، وانتشاء الحناجر بالصراخ العالي، تروم اختراق غلاف الأرض إلى سماوات عسى أن يسمع سكانها نحيب التائهين على الأرض فتسعفهم بقليل من الأمل.

هذا هو قدرنا، نلين ولا نستكين، نعطش ولا نروم الماء. هو قدر بمثابة ضريبة فرضها الإله على الحالمين، فالأحلام ليست مجانية بل تكون ضمن باقة علينا أن ندفع ثمنها غاليا. لا أذكر إن كنت قد حظيت في الماضي بلحظة واحدة عرفت فيها طعم الراحة والحرية. فالراحة تتلاشى أمام حملات الزمن، والحرية ضائعة في عصر الأغلال التي توضع على أعناق كل من يفكر في أن يقول للمتسلطين: اذهبوا إلى الجحيم. لا حرية في هذا العالم، مهما بلغت أوهام البعض فيها، طالما بقيت القبيلة بألوانها المتعددة، تفرق البشر على أسس فتنوية قذرة. لا حرية طالما بقيت الحقيقة أسيرة الوهم، والحب أسير الملذة. ما من شيء أجمل من حقيقة ساطعة فوق الأوهام، وحب متسامي فوق الملذات، فلا حب في الملذة بل الملذة في الحب.

هكذا تكون أقدار الحالمين… ثائرة ومتسامية، ولا مكان للهزيمة فيها.