الثقافة القاتلة: ثقافة احتكار الحقيقة

لعل أبرز عوامل الصراعات الدياناتية عبر التاريخ هو تلك الثقافة القاتلة التي يتسلح بها المنتمون إلى الديانات، ثقافة ادعاء كل ديانة لأحقيتها واحتكارها للحقيقة الكونية والإدراك الأمثل للطبيعة الإلهية. ما أود أن أتكلم عنه في هذا السياق، هو نظرة الدين السوي لهذه الثقافة كما أستنتجها من آيات الرسالة الإلهية الأخيرة، الرسالة القرآنية.

حسناً… ما يدفعني إلى هذه الغاية هو خطاب يدأب بعض الفئات الإسلامية على المواظبة عليه، وهو الخطاب واللغة التكفيريين. فماذا يقول كتاب الله في هذا الصدد؟

تختصر آيات معدودة من سورة البقرة الوضع بأسره.
وَقَالُواْ لَن يَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَـٰرَىٰ‌ۗ تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡ‌ۗ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَـٰنَڪُمۡ إِن ڪُنتُمۡ صَـٰدِقِينَ (١١١) بَلَىٰ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُ ۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٌ۬ فَلَهُ ۥۤ أَجۡرُهُ ۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ (١١٢) وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ لَيۡسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىۡءٍ۬ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَيۡسَتِ ٱلۡيَهُودُ عَلَىٰ شَىۡءٍ۬ وَهُمۡ يَتۡلُونَ ٱلۡكِتَـٰبَ‌ۗ كَذَٲلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ مِثۡلَ قَوۡلِهِمۡ‌ۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ (١١٣)

المبكي في الأمر أن الإقصاء والتكفير الذي تكلمت عنه، إنما يصدر عن فرق تدعي أن حكمها وسلطتها سواء الدينية أو السياسية التي لا تنبع من الشعب، إنما تنبع من الإرادة الإلهية التي يلخصها القرآن. فماذا يقول كتاب الله في الآيات أعلاه؟
قال اليهود، كما النصارى، كما المسلمون بفرقهم المتعددة حالياً أن لن يدخل الجنة إلا من كان ينتمي إليهم. ولعل لسان حال الله في هذا الزمن يقول: قالت السنة ليست الشيعة على شيء، وقالت الشيعة ليست السنة على شيء، وهم يتلون القرآن…. بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

قد يقول البعض أن القرآن بنفسه بما أنه هو الرسالة الأخيرة، بالتالي كان مدعاة لخاتم النبيين كي يدعي احتكاره للحقيقة. تقول الآية الموجهة إلى الرسول العربي: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وتقول آية أخرى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
إن الهدف الأسمى للرسالة المحمدية كان تعريف قبائل العرب على إدراك أعقل للطبيعة الإلهية، فالله جل جلاله أرقى من أن يلخص في وثن أو إنسان أو حتى مفهوم ثقافي. اسم الجلالة هو رمز للغموض الإلهي الذي لا يمكن أن يعقله عقل أو تحيط به لغة، أو يغطيه كاملاً أي كتاب وجد عبر التاريخ. إن الرسالة التي أتى بها خاتم النبيين لم يكن الهدف منها المزايدة على فرق أخرى بقدر ما كان تصحيح مسار البشر في فهم الطبيعة الإلهية، أو على الأقل تهيئة المناخ للدخول في رحلة طويلة للبحث عن هذه الطبيعة انطلاقاً من الفطرة البشرية، ووصولاً إلى العلم الكوني الذي أضحينا ننهم من رياضه في الحقبة الحالية أكثر من أي وقت مضى.

بالعودة إلى ما ورد أعلاه، فإن الأمر الإلهي لأي رسول، والرسالات التي أتت عبر التاريخ، لم يكن الهدف منها تقديم حقائق كونية علمية، بقدر ما كان الهدف منها وضع أطر لضبط وتنظيم المجتمع البشري. وإلا فإن هناك الآلاف من هذه الحقائق تكتشف كل حقبة من التاريخ، والتي لم يقدم لها القرآن أو أي رسالة إلهية سابقة. والسؤال الأهم: ما هو إطار الخلاص والإيمان كما ورد في القرآن؟ أن يسلم المرء وجهه كلياً، ويتمثل بالنبي عليه الصلاة والسلام، فيخفض جناحه لنظرائه من البشر ويتخلى عن الفظاظة والتحدي، واحترام حق الآخر في حرية المعتقد.

ومن هنا، إلى أين المطاف؟ ما هي الوجهة الأفضل لأي مسلم يؤمن بكل ما أتى أعلاه؟ الوجهة الأفضل إنما هي في التواضع قليلاً، والتخلي عن العناد والذهاب إلى حوار الآخرين، والتخلص من ثقافة التكفير. ومن يرفض ذلك إنما هو أصل خراب هذا الكوكب.

Advertisements
غير مصنف

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s