ما هو وراء ظواهر الأمور… بين الغرب والشرق والحرب السورية

سألت  مذيعة أسترالية ضيفها المسلم عما إذا كان يدين أعمال داعش الوحشية، لكن رد الأخير الذي أراد أن يستفيض في تاريخ الغرب الإستعماري لم يتضمن أية إجابة واضحة على هذا السؤال، ولا إدانة مباشرة لأعمال داعش. كذلك رفض الضيف أن يجيب على سؤال عما إذا كان يؤيد ذهاب الأستراليين للقتال إلى جانب داعش في سوريا، كما لو أن هذا التهرب يحمل تأييداً مبطناً لهذا الأمر.

قد تمر هذه الحادثة على أي مشاهد مرور الكرام، لكن هذا الأسلوب الممنهج من المقابلات إنما يحمل حتماً برأيي أوجهاً كثيرة من الأهداف. تذكرت في هذا المقام مقابلة أخرى قامت بها قناة السي أن أن الأميركية مع امرأة أفغانية كان زوجها “المسلم” الطالباني قد جدع أنفها، منذ بضع سنين. لكي نفهم جيداً أبعاد هذه المقابلات، أعود بالزمن إلى الوراء ببضع سنين، عندما كنت أتصفح الإنترنت، فدهشت بالكم الهائل من المواقع الألكترونية الأميركية التي تتحدث عن المعركة الأخيرة “آرماغدون” ونهاية العالم “آبوكاليبس”. اليقين هو أن أي قارئ لهذا المقال سيذهب بسرعة إلى التفكير بغباء الإعتقاد بالمؤامرات العالمية والجموح في نسج النظريات عن هذه المؤامرات بسذاجة. ولا يسعني إلا أن أقر بوجود هذه السذاجة عند الكثير من متصفحي الأنترنت، ولكن لا بد من أن أشير إلى ما كتبته على مواقع التواصل الإجتماعي في الماضي: “ما أقر به تماماً هو ضرورة أن يكون هناك تحقيقات جدية للوصول إلى الحقيقة، وتفادي هذين النقيضين: الجموح في نسج نظريات المؤامرة، والتقليل من شأن الباحثين عن الحقيقة عبر وصمهم بالترويج المفرط لنظريات المؤامرة”.

الهدف الذي أعنيه من وراء هذا النمط من المقابلات أعرضه مسبقاً، وكنت قد كتبت عنه أيضاً على مواقع التواصل الإجتماعي: “هكذا يسير الأمر بالنسبة إليهم… حصول الأحداث، ثم إستغلالها من قبل وسائل الإعلام، ثم تنميط شعوب بأكملها بناءاً على هذه الأحداث المستغلة، وأخيراً تبرير المجازر بحق هذه الشعوب”. إن شيطنة الإسلام والمسلمين جلية في تلك المقابلات. والمثير للإهتمام أن المعركة الأخيرة التي تحدثت عنها بعض المواقع الألكترونية، والتي ينتشي بعد الرواد بذكرها مرفوقة بنبوءات توراتية عن نهاية العالم، إنما تحصل بين المملكة اليهودية وأعدائها. وبعد تأويل النبوءات التوراتية، يصل من يروج لهذه المعركة إلى أن أعداء المملكة اليهودية هم المسلمون عامةً.

إن نخبة السلطة في الغرب لا سيما في الولايات المتحدة الاميركية هم من الغباء بشكل أن الأفراد الذين يشكلون واجهتها كما يفعل رؤساؤها، إنما يؤمنون بشكل مطلق بهذه النظريات. وإن لم يكن بعض هؤلاء الأفراد سذجاً، فإنهم على الأقل يعلمون بالخطط الموضوعة من قبل تلك النخبة، ولا يحركون ساكناً للكشف عنها. لعل أبرز أولئك السذج هو جورج دبليو بوش، الذي قال بوضوح صارخ أن غزو العراق إنما هو حرب صليبية بنظره. وإن كانت هذه مجرد زلة لسان، إلا أنها تكشف بوضوح عن طريقة تفكير هؤلاء الأغبياء، وعن سعيهم لتطبيق النبوءات التوراتية.

إن أخطر ما في تأويلات هذه النبوءات التي كانت تملأ الأنترنت منذ بضع سنين (ولا أدري إن كانت ما تزال بذات الزخم)، هو أن روادها يعتقدون بأن المعركة الأخيرة ستكون نووية، أي أن مملكة إسرائيل وحلفاءها سوف يبيدون أعداءهم بالكامل عبر حرب نووية. ومن هنا يأتي توظيف ذلك الكم الهائل الممنهج من المقابلات الذي تكلمت عنه: لا يمكن أن تحدث أي حرب نووية يقودها الغرب إلا إن تم حقن الشعوب الغربية بذلك الكم الهائل من الحقد تجاه المسلمين، وشيطنة هؤلاء إلى أقصى درجة، عبر الإيحاء بأن أصل المشكلة إنما هو الإسلام بحد ذاته، وأن المسلمين إنما هم وحوش لا يمكن مهادنتهم.

أبرز ما يدفعني للإعتقاد بأن كل ذلك ليس مجرد نظرية مؤامرة، هي الأحداث التي تسارعت في السنوات الخمس الأخيرة، وكل الإشارات التي تبرز المنهج الغربي الذي يعمل وراء الستارة. لم يعد يخفى على أحد كل تلك العبارات المستعملة لتلخيص هذا المنهج، والتي وردت في سياقات مختلفة، سواء في كتب وضعها أفراد كانوا جزءاً من تطبيق هذا المنهج مهما علا أو قل شأنهم، أو في مقابلات أجريت مع بعض هؤلاء الأفراد الذي اختاروا التمرد على هذا المنهج الخبيث، وهذه المقابلات طبعاً يتم التعتيم عليها، ووصم المشاركين فيها بجموح نظريات المؤامرة كما قلت سابقاً. من هذه العبارات مشروع الشرق الأوسط الجديد (الذي يبدو جلياً أن هدفه هو تفتيت المنطقة، وجعل يد داعش هي العليا لاستكمال شيطنة الشعوب الإسلامية عبر جعل داعش هي الحاكمة لتلك الشعوب)، والفوضى الخلاقة، والنظام العالمي الجديد.

حسناً، قد يتساءل البعض لا سيما من الشعوب الغربية عن كيفية التأكد من هذا الأمر. الجواب هو بكل بساطة عدم الإنجرار بانفعال وسذاجة خلف وسائل الإعلام. والأمر الأهم أيضاً هو اتباع منهج الشك للوصول إلى اليقين والإستقصاء الدقيق الذي يمكننا من الوصول إلى الحقيقة. على سبيل المثال، لا بد من استقصاء طبيعة الإسلام بموضوعية، ومقارنتها مع ما تقوم به داعش. والسؤال الأبسط مثلاً هو: هل ما تقوم به داعش يتطابق مع تعليمات رسول الإسلام للمسلمين عند حدوث الحرب عن كيفية خوضها؟

ما أجزم به، أنا المسلم المحيط بديني والقارئ لكتابه والعاشق لرسوله، وما لا يمكن أن يطعن به أحد، هو أن من فتكت به داعش إنما هي الشعوب الإسلامية أكثر من أي شعب آخر. وما يبدو واضحاً وجلياً هو أن من مهد لظهور داعش إنما هم من حلفاء الغرب، سواء النظام السعودي عبر توفير الأرضية الخصبة للفكر التكفيري، أو قطر التي كانت تروج دائماً للقاعدة  عبر قناة الجزيرة وما تزال تروج حالياً لفرعها في سوريا جبهة النصرة. وفي كل ذلك، تبدو الشعوب هي الضحية، لأنها تقع ضحية التضليل: الشعوب الإسلامية تقع ضحية الشحن الطائفي والتضليل الديني لتبرير سياسات باطلة ليست من الحق بشيء، والشعوب الغربية تقع ضحية التضليل الإعلامي والإسلاموفوبيا.

وفي النهاية أعرض الأسئلة التالية كمحفز للاستقصاء العلمي للوصول الى الحقيقة، بعيداً عن خبث النخب الحاكمة في الشرق والغرب:

– في ما يتعلق بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، لماذا بقيت بعض الأسئلة دون أجوبة في التحقيق، وتم تجاهلها لاحقاً، كالتحقيق في مصدر تمويل من تفذوا الهجوم؟ لماذ تخلصت الإدارة الأميركية كما تزعم من جثة أسامة بن لادن في البحر دون إبراز أي دليل أو صورة تثبت مقتله؟

– هل يصدق حكام الغرب عندما يرفعون شعار نشر الديمقراطية، وهل شنت الحرب في العراق لهذا السبب؟ ولماذا يعتم الإعلام الغربي على ديكتاتورية بعض الأنظمة العربية، ولا سيما على ما يحدث في البحرين من ظلم مطلق للشعب على يد انظمة الحكم الديكتاتورية، مع العلم أن الشعب البحريني أرسى مشهداً قل نظيره من النضال السلمي الراقي بالرغم من كل غطرسات الأنظمة التي تقمعه؟

– ألا تشكل حادثة تورط مراسلي السي أن أن في تفجير أنابيب النفط في حمص، عاملاً يمكن الإنطلاق منه للتحقيق الحقيقي والشفاف في كل الأحداث التي حصلت في سوريا؟

وفي النهاية، أود أن أستبق كل من قد يعمد إلى الإشارة إلى النظام السوري، كأنه يجردني من موضوعيتي لأنني لم أذكره في هذا المقام ولم أدن غطرسته، لأقول: بلى هو نظام ديكتاتوري مستبد ظالم لشعبه على مدى عقود، وهذا الظلم مدانٌ تماماً. ولكن كل تلك الشيطنة المبرمجة لهذا النظام والتي تجعل الأنظمة الأخرى تبدو وكأنها أقل استبداداً وظلماَ للشعب العربي، لن تجعلني أحيد ولو للحظة واحدة عن فكرة جوهرية جداّ ومهمة: مهما بلغت وسائل الإعلام مرحلة متقدمة من غسيل الأدمغة والحقن المذهبي ونشر الفتن بين الناس، يبقى هناك معيار واحد للعدل والعلم والحكمة، وهو الاستقصاء العلمي للوصول إلى اليقين. ومتى حدث هذا الإستقصاء بعيداً عن خبث الأنظمة والحكام، لظهرت خبايا كثيرة ومذهلة عن وصول الخبث في هذا الزمن مرحلة متقدمة جدا. وإلى ذلك الحين، لا يسعني إلا القول أن لا حول ولا قوة إلا بالله.

Advertisements
غير مصنف

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s