كل أرض كربلاء

وقف هناك في عرض الصحراء. أحس بشعور غريب يلف أركانه. اقترب الميعاد. يقال هذه كربلاء… كربٌ وبلاء. اقترب ميعاد الرحيل الأسطوري. أغبياء هم هؤلاء الشاحذين لأسلحتهم، يظنون أنهم منتصرون لكثرة عددهم. هم لا يعلمون أن هذا الرجل الواقف قبالتهم أبيّ على الهزيمة. لا هزيمة لهكذا رجال… لا هزيمة لمن يرفع شعار هيهات منا الذلة. فهؤلاء لا يمحى ذكرهم. قالتها الحوراء… مهما كاد الزمن ومهما تعالت صيحات الظلم الماجنة، لن يمحى ذكرهم. أغبياء هم الطواغيت، أصحاب السلطان على الجهلة وضعاف النفوس. يظنون أن سلطانهم سيطال الأحرار، ويظنون أنه سيمتد طوال الزمن، ولكن هيهات.

في كربلاء، كان سيفقد كل شيء، ما عدا عزّة نفسه. لسان حاله: اللهم تقبل منا هذا القربان. صعب هو هذا الإباء، صعب على الجهلة أن يفهموه. يقولون رمى بنفسه إلى التهلكة. لكنه يعلم أن الأمر أكبر من ذلك. يعلم الحسين أنه إن أعطى إعطاء الذليل، لن يبقى من الحق شيء. اشترى بقربانه الدنيا والآخرة في آن. ففي الدنيا سيضحي أسطورة تضرب بها الأمثال، وتلهم كل حر سائر على درب العزة وآبِ للخضوع والخنوع. وفي الآخرة، فهو سيد شباب أهل الجنة.

عندما برز الحسين إلى المعركة ولم يبق أحد غيره من الرجال، كان أهلاً لكل السهام التي تلقاها. كأني به يأسف لأمر هؤلاء القوم. كأني به يتلقى السهام بصدره وهو ابن بنت نبيهم والنبي منهم براء. كأني به يئن أنين المسيح الحامل لصليبه على درب الجلجلة. هؤلاء قتلوا إمامهم، وأولئك قتلوا مسيحهم. فعلياً انتهت الخلافة في استشهاد أبيه. انتهى الإسلام المحمدي في سقوط علي بن أبي طالب وهو يصلي. لم ينتظر المسلمون طويلاً بعد رحيل نبيهم، لينقلبوا على كل تعاليمه. فبعد رحيل من آخى الرسول به نفسه، حل التوريث محل الشورى. وبعد أن كانت الوصية ألا تقطعوا شجرة ولا تهتكوا عرضاً في نشر الدين، كانت ممارسات المسلمين التاريخية سبي وهتك أعراض. والمثال الصارخ على ذلك هو قتل الحسين.

“تاريخ المسلمين خالٍ من الإسلام المحمدي”. قالها أحد المفكرين. لو لم يكن كذلك لما اندثرت الخلافة ولما أصبحنا اليوم نرى السبي وهتك الأعراض يمارسان في زمن يتبجح فيه الإنسان المعاصر بكونه زمن حقوق الإنسان. هذا الشعار هراء، لا سيما في الغرب حيث نرى له موطئاً عند الشعوب. من أبرز معالم ذلك هي الحرب الناعمة، أو الفوضى الخلاقة، أو النظام العالمي الجديد… سموها ما شئتم. في زمن نفاق وخبث نخب السلطة في الغرب، وجهل وبطش أهل الفتن في الشرق، يحضرني ذلك الرجل الإمام السامي… يحضرني الحسين ولسان حاله: “هيهات منا الذلة”.

هيهات منا الذلة.

Advertisements
غير مصنف

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s